اسماعيل بن محمد القونوي
413
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الفواصل حيث كان الفاصل في الأول للمؤمنين وفي الثاني لقوم يوقنون وفي الثالث لقوم يعقلون فح يكون من باب الترقي إذ في الأول يعلم بالنظر الصحيح أنها مصنوعة لا بد له من صانع فآمنوا باللّه وأقروا فح يراد بالمؤمنين المشارفين بالإيمان هذا في الأول وأما في الثاني فلأنهم إذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال ومن هيئة إلى هيئة وفي خلق ما في الأرض على ظهر الأرض من صنوف الحيوان ازدادوا إيمانا وأيقنوا أو انتفى عنهم اللبس وأما في الثالث فلأنهم إذا نظروا في سائر الحوادث التي يتجدد في كل وقت كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار وحياة الأرض بها بعد موتها وتصريف الريح جنوبا وشمالا قبولا ودبورا عقلوا واستحكم علمهم وخلص يقينهم كذا في الكشاف ولا يخفى أن ما ذكره في الثالث مآل ما ذكر في الثاني بل ما ذكر في الأول أيضا لأن الإيمان لا يتم بدون الايقان والايقان لا يتم بدون الاستحكام وأيضا كان الفاصل في سورة البقرة لقوم يعقلون بعد ذكر أكثر الآيات وذكر في سورة والذاريات قوله تعالى : وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ [ الذاريات : 20 ] وأيضا خلق الإنسان أدق آية من سائرها لاشتماله جميع ما في العالم وما ذكره هنا يوهم خلافه فلا جرم أنه غير تام فالأولى في مثله القول بأنه تفنن في البيان وهو من شعب البلاغة إذ التكرار ليس بمستحسن بل مستكره في مثل هذا المقام والجمع بين الآيات في بعض المواضع والتفرق بينها في موضع آخر إما وحدها أو مع بعض آخر منها لا يخلو عن نكتة مما يقتضيها المقام والتفنن في البيان منتظم في كل مقام والجمع بين بعض منها للمناسبة في خصوصية ما كما بينه هنا صاحب الكشاف فاحفظ ذلك وقس عليه أمثاله . النظر في السماوات والأرض الإيمان ونتيجة النظر في الأنفس وأحوالها الازدياد في الإيمان المدلول عليه بقوله : يُوقِنُونَ [ الجاثية : 4 ] ونتيجة النظر في سائر الحوادث الإخلاص في اليقين المدلول عليه بقوله : يَعْقِلُونَ [ الجاثية : 5 ] فلعل جعل كل فاصلة نتيجة ما تقدم لا يخلو عن مناسبة ولعل المناسبة أنه لما كان السماوات والأرض صنعا متقنا عجيبا بحيث إذا نظر فيه الناظرون النظر الصحيح يعلمون أن له صانعا تام القدرة ويؤمنون به ناسب أن يقال فيه يؤمنون ثم إذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال ومن هيئة إلى هيئة وفي خلق ما على الأرض من صنوف الحيوانات ازدادوا يقينا وإيمانا بخالقها وانتفى عنهم اللبس لكون دلالتها على خالقها اظهر من دلالة الآيات الأولى ثم إذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدد في كل وقت كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار وحياة الأرض بها بعد موتها وتصريف الرياح جنوبا وشمالا وقبولا ودبورا عقلوا واستحكم علمهم وخلص يقينهم وقوي غاية القوة لما أن دلالة هذه الحوادث على الصانع اظهر مما تقدم والحاصل أنه جعل نتيجة النظر في السماوات والأرض الإيمان ونتيجة النظر في الأنفس وأحوالها الازدياد في الإيمان المدلول عليه بقوله : يُوقِنُونَ [ الجاثية : 4 ] ونتيجة النظر في سائر الحوادث الاخلاص في اليقين المدلول عليه بقوله : يَعْقِلُونَ [ الجاثية : 5 ] فإنه من عقل من كذا كذا أي استدركه بالعقل بعد أن لم يكن مستدركا فإنهم عقلوا من إحياء الأرض بالمطر أنه تعالى يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [ يس : 78 ] فهذا طريقة السلوك والترقي قال الراغب رحمه اللّه ما تقدم من الآيات يدل على قادر لا يشبهه قادر فمن وفي النظر في ذلك أداه إلى الإيمان